الشنقيطي
14
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله في هذه الآية الكريمة : صَعِيداً جُرُزاً أي أرضا بيضاء لا نبات بها . وقد قدمنا معنى « الصيد » بشواهده العربية في سورة « المائدة » . والجرز : الأرض التي لا نبات بها كما قال تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ ( 27 ) [ السجدة : 27 ] ومنه قول ذي الرمة : طوى النحز والأجراز ما في غروضها * وما بقيت إلا الضلوع الجراشع لأن مراده « بالأجراز » الفيافي التي لا نبات فيها ، والأجراز : جمع جرزة ، والجرزة : جمع جرز ، فهو جمع الجمع للجرز ، كما قاله الجوهري في صحاحه . قال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها من هذه الزينة صعيدا أو جرزا ، أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته ، وإماطة حسنه ، وإبطال ما به - كان زينة من إماتة الحيوان ، وتجفيف النبات والأشجار ا ه . وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينا في مواضع أخر ، كقوله : إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 24 ) [ يونس : 24 ] ، وكقوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 ) [ الكهف : 45 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله في هذه الآية الكريمة لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ( 7 ) أي لنختبرهم على ألسنة رسلنا . وهذه الحكمة التي ذكرها هنا لجعل ما على الأرض زينة لها وهي الابتلاء في إحسان العمل - بين في مواضع أخر أنها هي الحكمة في خلق الموت والحياة والسماوات والأرض ، قال تعالى : تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ( 2 ) [ الملك : 1 - 2 ] ، وقال تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ هود : 7 ] . وقد بين صلّى اللّه عليه وسلّم الإحسان بقوله : « أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » كما تقدم . وهذا الذي أوضحنا من أنه جل وعلا جعل ما على الأرض زينة لها ليبتلي خلقه ، ثم
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثالث .